عبد الكريم الخطيب

10

التفسير القرآنى للقرآن

« وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ » . وفي كلمة « جاء » مع حرف الواو قبلها ، ما يشعر بطول الزمن وامتداده ، بين فراق يوسف لأهله ، واتجاههم إليه في هذه الرحلة ، كما يشعر بطول الرحلة التي قطعوها من كنعان إلى مصر . . « فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ » . . لقد عرفهم ولم يعرفوه ، لأنه كان صغيرا يوم ألقوا به في غيابة الجبّ . . وقد كبر ، فتغيرت ملامحه ، كما أنّه كان في حال من الأبهة والسلطان ، وما يحفّ به من خدم وحرس ، وما يتزيّا به من حلل ، وما يتوّج به رأسه من حلى وجواهر - كل ذلك كان مما يخفى على أقرب المقربين إليه من أهله أمره ، حتى لو كان عهده به في كنعان يوما أو بعض يوم ! فكيف وقد مضت سنون ؟ وكيف وليس في تصور إخوته ولا في خيالهم أن يكون يوسف في مصر ، أو أن يكون له هذا السلطان الذي كان عهد الناس به يومذاك ، إنه ميراث ، ينتقل من الآباء إلى الأبناء . . ! « وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ » . ولمّا جهزهم بجهازهم : أي حين أعطاهم الكيل الذي يكال لهم ببضاعتهم التي معهم . خير المنزلين : أي خير من يكرم النازلين به ، ويحفظهم في أنفسهم وأموالهم ، بما يوفر لهم من أسباب الأمن والراحة . وليس هذا المطلب الذي طلبه يوسف من إخوته قد وقع ابتداء ، بل لا بد أن يكون قد جرت بينه وبينهم أحاديث ، أراهم منها أنه يجهلهم ، كي يتمّ التدبير الذي دبره ، وهو أن يحضروا أخاهم من أبيهم ، وقد عرف من هذه الأحاديث